الحكيم الترمذي

15

كيفية السلوك إلى رب العالمين

[ الشّورى : 11 ] فكل ما يتجلى لك من الصور في خلوتك ويقول : أنا اللّه . فقل : سبحان اللّه ، أنت باللّه ، وأحبط صورة ما رأيت ، واله عنها ، واشتغل بالذكر دائما . هذا عقد واحد . والعقد الثاني : ألّا تطلب منه في خلوتك سواه ، ولا تعلق الهمة إلا به ، سبحانه تعالى جده ، ولو عرض عليك كل ما في الكون فخذه بأدب ، ولا تقف عنده ، وصحح على طلبك ، فإنه يبتليك . ومهما وقفت مع شيء فاتك ، وإذا حصلت لم يفتك شيء ، فإذا عرفت هذا فاعلم أن اللّه يبتليك بما يعرضه عليك . فأول ما يفتحه عليك : أن يعطيك الأمر على ترتيب ما . أقوله لك ، وهو كشف عالم الحس الغائب عنك فلا تحجبه الجدران ، ولا الظلمة ، عما يفعله الخلق في بيوتهم . إلا أنه يجب عليك التحفظ ألّا تكشف سر أحد لأحد إذا أطلعك اللّه عليه . فإن بحت وقلت : هذا سارق ، وهذا زان ، وهذا يغتاب ، فاتهم نفسك ، فإن الشيطان قد دخل عليك ، فتحقق بالاسم « الستار » . فإن جاءك ذلك الشخص ، فاتهمه فيما بينك وبينه ، على الستر ، وأوصه أن يستحي من اللّه ، ولا يتعدى حدود اللّه . وعن هذا الكشف الحسي جاهد طاقتك واشتغل بالذكر . وأما التفرقة بين الكشف الحسي والخيالي فأبينه لك . وذلك إذا رأيت صورة شخص ، أو فعلا من أفعال الخلق ، أن تغلق عينيك ، فإن بقي لك الكشف فهو خيالك . وإن غاب عنك فإن للإدراك تعلّقا به في الموضع الذي رأيته فيه . ثم إذا لهيت عنه ، واشتغلت بالذكر ، انتقلت من الكشف الحسي ، إلى الكشف الخيالي ، فتنزل عليك المعاني العقلية ، في الصور الحسية ، وهو تنزل صعب . فإن علم ما يراد بتلك الصور ، لا يعرفه إلا نبي ، أو من شاء اللّه من الصّدّيقين ، فلا تشتغل به ، وإن سيقت لك مشروبات ، فاشرب الماء منها ، فإن لم يكن فيها ماء فاشرب اللبن ، وإن جمعت بينهما فحسن ، كذلك العسل فاشربه . . . « 1 » . واشتغل بالذكر حتى يرفع عنك عالم الخيال ، ويتجلى لك عالم المعاني المجردة

--> ( 1 ) عبارة محذوفة بالأصل .